نذير حمدان

73

حكمة القرآن والحضارة

فقد نبّه اللّه إلى أن في الإنسان نوعا من المواهب الخفية غير الحواسّ الظاهرة وغير العقل المفكر ، وسمّيت هذه المواهب باسم ( الحكمة ) وهي التي يعبّر عنها الصوفيون باسم ( البصيرة الملهمة ) ، والتي يسميها الفلاسفة المحدثون باسم ( الحدس ) وهي تدرك ما لا يدركه العقل والحواس معا ، وتتناول ما وراء المعلوم أو ما وراء الواقع الملموس ، ولقد منّ اللّه بهذه الحاسة الخفية أو الموهبة المميزة على عباده المقربين فقال تعالى يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ( البقرة 269 ) . وعن لقمان وفي شأن يوسف وفي موسى وفي الرسل والأنبياء ( لقمان 12 ) و ( يوسف 22 ) و ( القصص 14 ) و ( الجمعة 29 ) « 1 » ، وكما يسميها اللّه بالحكمة يميّزها بأنها فارقة بين الحقّ والباطل ويطلق عليها اسم الفرقان يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ( الأنفال 29 ) ويسميها أحيانا بالنّور لأنها تضيء الطريق أمام المؤمنين فيقول يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( الحديد 28 ) وهذه الموهبة الخفيّة هبة من اللّه وحده يختصّ بها من يشاء من عباده وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( البقرة 105 ) وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ ( النور 40 ) . وتهمل دراسات معاصرة المصطلح القرآني الصريح ( الحكمة ) في مفارقة منهجية عجيبة إلى المصطلح اليوناني ( الفلسفة ) ومن ثم تطرحها على تفسير حقائق القرآن وحكمه ، في تغيير لا مبرر له . إن كانت الفلسفة هي المعرفة الحقّة للّه والكون السماوي والأرض والإنسان ، أو هي نظر العقل في تفكيره الذي يراد به معرفة حقائق الوجود في العالم الأكبر المحيط بالإنسان ، والعالم الأصغر الذي هو الإنسان والمبدأ الأول لذلك كلّه ، نقول إذا كان هذا هو تعريف الفلسفة والغاية التي تهدف إليها ، فهل في القرآن فلسفة ؟ . . .

--> ( 1 ) من كتاب : فلسفة المعرفة في القرآن الكريم : علي عبد العظيم . من سلسلة مجمع البحوث الإسلامية ( 65 ) 1393 ه / 1973 م ، مع ملاحظة أن الآيات الواردة سابقا ذكرت بنصها .